السيد مصطفى الخميني
170
تفسير القرآن الكريم
الملكوت السبحاني ، حتى يشاهد معنى * ( إنه بكل شئ محيط ) * ( 1 ) ، ويرى ذاته محاطا بها مقهورة تحت كبريائه تعالى ، فحينئذ يشاهد وجوده تحت نقطة باء السببية لمسبب الأسباب ، ويعاين عند ذلك تلك الباء التي في * ( بسم الله ) * ، حيثما تجلت له عظمتها وجلالة قدرها ورفعة سر معناها ، هيهات نحن وأمثالنا لا نشاهد من القرآن إلا سوادا ، لكوننا في عالم الظلمة والسواد ، وما حدث فيه من مد هذا المداد ، أعني مادة الأبعاد والأجساد وهيولى الأضداد والأعداد ، والمدرك لا يدرك شيئا إلا بما في قوة إدراكه دائما يكون من جنس مدركاته ، بل هي عينها كما تحرر في محله ، فالحس لا ينال إلا المحسوس ، ولا الخيال إلا المتخيل ، ولا العقل إلا المعقول ، فلا يدرك النور إلا النور * ( ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ) * . فنحن بسواد هذه العين لا نشاهد إلا سواد أرقام ومدار نقوش الكتاب ، فإذا خرجنا عن هذا الوجود المجازي والقرية الظالم أهلها ، مهاجرا إلى الله ورسوله في قطع المنازل التي بيننا وبين المطلب ، وأدركنا الموت عن هذه النشآت والأطوار ، التي بعضها صور حسية أو خيالية أو وهمية أو عقلية ، وقطعنا النظر عن الجميع ومحونا بوجودنا في وجود كلام الله ، ثم أحيانا الله بعد موتنا ، وخرجنا من المحو إلى الصحو ، ومن الفناء إلى البقاء ، ومن الموت إلى الحياة حياة ثابتة باقية ببقاء الله ، فما نرى بعد ذلك من القرآن سوادا أصلا ، إلا البياض الخالص والنور الصرف
--> 1 - فصلت ( 41 ) : 54 .